كان يا ما كان، في عتم الليل..

كان يا ما كان.. عندما كان ما كان في عتم الليل.. عندما كان يخشى السارق ضوء القمر، فيختبئ في ثنايا سواد الأزقة.. عندما كان المغتصب يخشى سكون ما بعد دقات الساعة.. عندما كان القاتل لا وجه له.. يخفيه ويهرب به من اضواء السيارات ومن أنظار المومسات على ناصية الطريق..

 

كان يا ما كان، عندما كان الليل سترةً للخطايا العشر وأكثر.. كان سترةً، وكان الكثيرون يخشونه، فيكفوا عن العهر، ويمتنعوا عن المجون، خوفاً من شمس نهارٍ غالباً لا ترحم..

 

وأصبح ما أصبح، عندما أتى النهار، واكتشف الجميع أن سلطة الشمس مجرد خيال..

 

أصبح ما أصبح، وبات العهر يُمارس علانية، والقتل باتَ أمراً اعتيادياً، والسرقة باتت لا تُعد لا خطية ولا ترقى حتّى لمستوى الجنحة..

 

أصبح ما أصبح، عندما اختفى القانون.. بات فكاهةً نخبرها لأطفالنا نحذّرهمم فيها من أن لا يدعوا المبادئ تستغبيهم.. نخبرهم أن الجميع فوق القانون، وفقط الساذجين يؤمنون به..

 

أصبح يا ما أصبح عندما بات احترام الآخر يُنظر إليه كطيبة قلب، ويُنظر لطيبة القلب كضعف إنساني..

 

أصبح ما اصبح عندما بات الإنسان يصنّف بحسب توجهاته الدينية والفكرية والسياسية.. ويحاكم يساراً ويميناً كيفما يحلو لمن نصّب نفسه قاضياً وهو لا يمت للعدالة باي صلة..

 

وفي جميع الأحوال بات الإنسان أرقاماً تُباعُ وتشترى.. تارةً نشتريهم مساندين لأفكارنا التي لا تمت للفكر بأية صلة.. وتارةً نبيعهم خونة يتآمرون ضد مقاومتنا الباسلة التي لا تقاوم سوى الآراء التي تعارضها.. تارةً نبيعهم جثثاً نُظهر من خلال الفجوات التي أحدثناها في جماجمهم، للعالم كلّه ما قصدناه بالخطوط الحمر.. وتارةً نشتريهم أشلاء نرفع بهم راية الجهاد ضد قاتلهم.. ولا نحن نقاتله مباشرةً.. ولا هو يحاربنا مباشرةً.. لا شيء سوى الجثث بيننا.. تتكسد وتتكسد.. والعالم ينظر.. يساراً يميناً، ينقل أنظاره، تارةً بدهشة، وتارةً برضا، وتارةً بعدم رضا.. لكنّه يتابع النظر، لا يشيح بعينيه.. في مشهد سوريالي.. كما لو كنا في العهد الروماني، حين كانوا يرمون المحكومين بالإعدام في الساحة لمواجهة الحيوانات المفترسة.. أمام أنظار الجميع.. أمام تصفيق الحشود وتشجيعهم، والتي كانت غالباً ما تساند الأقوى: الحيوان..

 

كفانا إدعاءً للإنسانية.. تاريخ الإنسان منذ الأزل مليء بسوريالية نستمتع فيها بمشاهدة غريزة الإنسان الأساسية، غريزة البقاء..

 

كفانا تحديقاً في العيون الفارغة.. عمّ نبحث؟ عن تفسير لما جرى؟ عن شرح لما يجري؟

 

كفانا عدّاً وكأننا ننتظر لنحكم من حصد أكبر عدد من الأصوات في برنامج تلفزيون الواقع، التافه كأغلب الأحيان، لتفادي التعميم بالمطلق..

 

كفانا بيع المواقف لحظة إدراكنا للمجزرة.. وفي اللحظة التي تليها ننسى أن من مات هو إنسان ليس جثة، وليس رقم.. إنسان له ذاكرة، له ماضٍ، وله حاضر تشاهده أنت عبر اليوتيوب، وله مستقبل.. مستقبل أقارب سيفتقدونه، أطفال سيحتاجونه، أم ستبكيه، وابنة سترثيه.. ننسى أنه ليس مجرد جثة، أنه ليس مجرد رقم، أنه إنسان عاش وأكل وذهب وعاد.. إنسان كان يمارس حياةً تشبه حياتنا.. في الليل كما في النهار، نام واستيقظ.. ونام ولم يستيقظ..

 

كفانا متاجرةً بالآخرين، تارةً لنسجل موقفاً لكسب شعبية لدى فئة معينة، وتارةً للتحريض ضد فئة ما.. كفانا انجراراً في هذه اللعبة التي طالت.. لعبة الدماء التي تُستباح، ونحن نؤيد او نندد، لوهلة، ثم نكمل حياتنا غير آبهين..

 

أو على الأقل، عودوا بنا إلى زمن الليل، حين كانت العتمة سترةً لوحشيتنا.. حين كانت الشمس أملاً للساذجين..

 

 

 

إلى أهالي من ماتوا في سوريا، إلى طيّبي القلب المؤمنين بالشمس..

Comments or opinions expressed on this blog are those of the individual contributors only, and do not necessarily represent the views of FRANCE 24. The content on this blog is provided on an "as-is" basis. FRANCE 24 is not liable for any damages whatsoever arising out of the content or use of this blog.
0 Comments

Post new comment

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • No HTML tags allowed

More information about formatting options

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.